علي بن موسى الغرناطي الأندلسي

275

المغرب في حلي المغرب

بعض تلك الفنون كتب كثيرة ، غير أنه لم يخل فيها من غلط ، وسقط ، لجراءته في التّسوّر على الفنون ، لا سيما المنطق ، فإنهم زعموا أنه زلّ هنالك ، وضلّ في سلوك تلك المسالك ، وخالف أرسططاليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه ، ولا ارتاض في كتبه . ومال أوّلا به النّظر في الفقه إلى رأي الشافعيّ ، وناضل عن مذهبه ، وانحرف عما سواه حتى وسم به ، ونسب إليه ، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء ، وعيب بالشذوذ ، ثم عدل في الآخر ، إلى قول أصحاب الظاهر ، مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار ، فنقّحه ، ونهجه ، وجادل عنه ، ووضع الكتب في بسطه ، وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله ، رحمه اللّه . كان يجادل عن عمله هذا من خالفه ، على استرسال في طباعه ، ومذل بأسراره ، واستناده إلى العهد الذي أخذه اللّه على العلماء من عباده ، لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] فلم يك يلطف بما عنده بتعريض ، ولا يزفّه بتدريج ، بل يصكّ به معارضه صكّ الجندل ، وينشقه أحرّ من الخردل ، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم ، ويسيّرونه عن بلادهم ، إلى أن انتهوا به منقطع أثره ، بقرية بلده ، من بادية لبلبة . وبها توفي رحمه اللّه سنة ست وخمسين وأربعمائة . وكان متشيّعا في بني أمية منحرفا عمّن سواهم من قريش ، وادعى أنه من الفرس ، وهو خامل الأبوّة من عجم لبله . وصله من ابن عمه أبي المغيرة رسالة فيها ما أوجب أن جاوبه بهذه : سمعت وأطعت لقول اللّه تعالى : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] وأسلمت وانقدت لقول نبيه عليه السلام : صل من قطعك ، واعف عمّن ظلمك ، ورضيت بقول الحكماء : كفاك انتصارا ممّن تعرّض لأذاك إعراضك عنه ، وأقول « 1 » : [ المتقارب ] تبغّ « 2 » سواي امرءا يبتغي * سبابك ، إنّ هواك السّباب فإني أبيت طلاب السّفاه * وصنت محلّي عما يعاب « 3 » وقل ما بدا لك من بعد ذا * فإنّ سكوتي عنه خطاب « 4 » وأقول « 5 » : [ الطويل ] كفاني بذكر الناس لي ومآثري * وما لك فيهم يا ابن عمّي ذاكر

--> ( 1 ) الأبيات في نفح الطيب ( ج 2 / ص 294 ) . ( 2 ) في النفح : تتبّع . ( 3 ) في النفح : ونزهت عرضي . ( 4 ) في النفح : وأكثر فإنّ سكوتي خطاب . ( 5 ) الأبيات في نفح الطيب ( ج 2 / ص 295 ) .